7 فبراير 2012 - 20:30

خطبة مطلوب من نخب الامة ، مهما كانت مشاربها ، ان تتوقف عندها بموضوعية وعقلية منفتحة ، بعيدا عن اي اسقاطات مذهبية او احكام مسبقة ، للوقوف على وجهة نظر رجل يقف على رأس أول ثورة اسلامية شعبية كبرى شهدها القرن المنصرم ، بشأن التطورات التي تشهدها البلدان العربية ، هي تلك التي القاها اية الله السيد علي الخامنئي باللغة العربية لدى امامته المصلين في صلاة الجمعة في الثالث من شهر شباط / فبراير عام 2012.

ابنا: المعروف ان الخطبة الثانية من خطبتي صلاة الجمعة ، والتي تعرف بالخطبة السياسية ، تتناول عادة اهم التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، التي تشهدها ايران والامة الاسلامية والعالم ، وهي تلقى باللغة الفارسية. الا ان الخطبة الثانية التي القاها امام جمعة طهران اية الله الخامنئي في ذلك اليوم فكانت باللغة العربية ، لوجود المئات من الشباب العربي بين المصلين ، من الذين وفدوا الى طهران للمشاركة في مؤتمر الشباب والصحوة الاسلامية ، وتمحورت بالكامل حول الثورات العربية والثورات الامريكية المضادة.

المتتبع لخطبة السيد الخامنئي يرى ، رغم تناولها قضايا عديدة متشابكة ومتداخلة ، خيطا ينظم هذه القضايا ويشدها الى بعض بالشكل الذي ترسم صورة واضحة وشفافة الى حد الاستشراف لما سيجري مستقبلا في منطقتنا.

ان التطورات التي تشهدها منطقتنا هي ، كما يراها السيد الخامنئي في خطبته ، نتاج صراع بين ارادتين ، ارادة الشعوب العربية المنتفضة ، وارادة مضادة هي ارادة الثلاثي الصهيوغربي الرجعي.

الارادة الاولى تسعى لتحقيق طموحها في الانعتاق من الاستبداد والتبعية ، والارادة الثانية تسعى لوضع العراقيل امام الارادة الاولى لانهاكها وتفريغ شحنتها، او على الاقل الهائها بقضايا جانبية.

رفض الشعوب العربية للاستبداد رفض للتبعية

يرى السيد الخامنئي في خطبته ان الشعوب العربية ، كما رفضت وترفض الحاكم الدكتاتور وسيطرة العملاء والطواغيت ، فأنها ترفض ايضا التبعية والرضوخ للقوى الاجنبية وتدخلها في الشؤون الداخلية لبلدانها.

ان العلاقة بين الحكام العملاء وبين الغرب وعلى راسه امريكا هي علاقة لايمكن التستر عليها او تجاهلها، فعندما نبذت الشعوب العربية انظمتها ، نبذتها لانها كانت عملية حتى النخاع لامريكا ، ومتواطئة وبشكل فاضح مع الكيان الغاصب للقدس ، منفذة لاجندات الغرب بحذافيرها ، نافخة ببوق الفتنة الطائفية بهدف الهاء الامة عن قضاياها المصيرية وفي مقدمتها قضية فلسطين ، ناهبة للثروات ، حابسة على الشعوب انفاسها.

ان الشعوب العربية تعرف جيدا كيف استمات الغرب وعلى راسه امريكا للحفاظ على الدكتاتوريات العربية حتى اخر لحظة ، فهذا الغرب يرفض وبشكل عملي مبدأ حرية الشعوب وسيادتها ، لذا فهذه الشعوب سوف تفكر الف مرة قبل ان ترد على ابتسامة الغرب المصطنعة للتغير الذي شهدته المنطقة العربية.

الغرب يلجأ الى اصطناع النموذج المزيف

في خطبته يحذر السيد الخامنئي الشعوب العربية من دسائس الغرب والصهيونية العالمية التي كانت تمسك بالانظمة العربية العملية كخنجرمغروس في خاصرة هذه الشعوب. فهذا الغرب وبعد فشله في تحقيق اهدافه بوسائله التقليدية القائمة على القوة الغاشمة في السيطرة على مقدرات الامة ، اخذ باصطناع البديل والنموذج المزيف ، "كي یجعل الإرهاب المعادي للإنسانیة بدل العملیات الاستشهادیة، و یجعل التعصب والتحجّر والعنف بدل التوجه الإسلامي والجهاد، والتعصب القومي والقبلي بدل الشعور بالانتماء الإسلامي والانتماء إلي الأمة الإسلامیة، و یجعل التغرّب والتبعیة الاقتصادیة والثقافیة بدل التطور القائم علي أساس الاستقلال، والعَلمانیة بدل العِلمیّة، والمداهنة بدل العقلانیة، والفساد والفوضى بدل الحریة، والدكتاتوریة باسم حفظ الأمن والنظام، والروح الاستهلاكیة والالتصاق بالأهداف الدنیویة التافهة والبذخ باسم التنمیة والرقي، والفقر والتخلف باسم الزهد والمعنویة".

الثورات العربية ودسائس الثلاثي الصهيو غربي الرجعي

الحقيقة المرة التي واجهها الثلاثي الصهيو غربي الرجعي والمتمثلة بالثورات العربية التي باغتت هذا الثلاثي وقلبت طاولته وماعليها من مشاريع ،كانت من اهم النقاط التي تناولتها خطبة السيد الخامنئي الذي اكد فيها "على انّ الغرب یسعي دون شك إلى أن یبدّل الثورات إلى ثورات مضادّة، ویحاول في النهایة أن یرمّم النظم القدیمة بأسلوب جدید، لیبُقی سیطرته على العالم العربي لعشرات أخرى من السنین، وذلك بتفریغ مشاعر الجماهیر وبالتقدیم والتأخیر بین الأصول والفروع، وتغییر صنائعه وإجراء إصلاحات شكلیة متصنّعة، والتظاهر بالدیمقراطیة.

إنّ هدفهم الأكبر الیوم بعد عجزهم عن قمع الشعوب والسیطرة علیها هو السعي للسیطرة على غرفة قیادة الثورات واختراق الأحزاب الفاعلة، وحفظ ما أمكن من هیكل الأنظمة الفاسدة الساقطة والاكتفاء بالإصلاحات السطحیة والمسرحیة، وإعادة بناء عملائهم في داخل البلدان الثائرة، ثم اللجوء إلى عملیات تطمیع وتهدید. وقد یلجأون في المستقبل إلى الاغتیالات أو شراء ذمم بعض الأفراد والجماعات من أجل وقف عجلة الثورات أو دفعها إلي الخلف، وبثّ الیأس فی قلوب الجماهیر أو إشغالها بصراعات داخلیة بإثارة مسائل فرعیة، وإضرام نیران العصبیات القومیة والقبلیة أو الدینیة أو الحزبیة واختلاق الشعارات المنحرفة لتغییر الثورات، والتأثیر المباشر أو غیر المباشر على أذهان الثوریین وألسنتهم، ودفعهم إلي ألاعیب سیاسیة أو إثارة الفُرقة بینهم ثم توسیع نطاق هذه التفرقة لتشمل فئات الناس، والسعي للمساومة خلف الكوالیس مع بعض الخواص بالوعود الكاذبة كالمساعدات المالیة وغیرها وغیرها من عشرات الحیل الأخرى مما أشرت إلى نماذج منها من قبل في المؤتمر العالمی للصحوة الإسلامیة بطهران.

إنّ بعض الأنظمة التابعة والمحافظة العربیة أیضاً تقف إلى جانب أمریكا والناتو، ولو من أجل حفظ كراسیها، وتسعى بكل قواها لإیقاف عجلة الزمن ودفع ثورات المنطقة إلى الوراء أو سوقها نحو طریق مجهول، ورأسمالهم الوحید في هذه المساعي دولارات النفط، وهدفهم الأساس هزیمة الشعوب في مصر وتونس والیمن والبحرین.. وحفظ ثبات الكیان الصهیوني وضمان بقائه وإنزال الضربة بجبهة المقاومة في المنطقة".

العودة الى الاسلام لاتعني العودة الى الماضي

يرى السيد الخامنئي ان الاسلاميين في البلدان العربية التي انتفضت على حكامها هم الان امام متحان في غاية الخطورة وعليهم ان يخرجوا من هذا الامتحان مرفوعي الراس.

ويرى اية الله الخامنئي "ان انتخابات تونس ومصر وشعارات وتوجّهات الشعوب في الیمن والبحرین وسائر البلدان العربیة تدلّ بوضوح أنهم یریدون أن یكونوا مسلمین معاصرین دون إفراط متعجرف أو تفریط متغرّب، وبشعار «الله أكبر» یریدون ضمن مشروع إسلامي وبالتألیف بین المعنویة والعدالة والتعقّل وبأسلوب السیادة الشعبیة الدینیة، أن یتحرّروا من قرن من التحقیر والاستبداد والتخلّف والاستعمار والفساد والفقر والتمییز".

ان الاسلام الذي يعنيه سماحة السيد الخامنئي ويدعو الشعوب العربية اليه هو اسلام رسول صلى الله عليه واله وسلم , "هذا الإسلام الذي شمل في المدینة أهلَ الذمة من المسیحیین والیهود بالرحمة والأمن، ولیس الإسلام بمعني إثارة الحروب الدینیة بین عباد الله، ولا بمعنى الحرب المذهبیة والطائفیة بین المسلمین".

عندما تطالب الشعوب بالعودة الى الاسلام ، هذه الدعوة لاتعني العودة الى الماضي ، بل دعوة الى اقامة مجتمع قائم على السيادة الشعبية مع مراعاة العقلانية والعلمية.

ومن اجل ان تؤسس الشعوب العربية نهضتها الحديثة يؤكد السيد الخامنئي في هذا المجال على اهمية أعادة قراءة التعاريف واصلاحها من منظور اسلامي اصيل ، لذا نراه يخاطب الشعوب العربية قائلا ان  " الغرب يقترح عليكم نموذجين : «الإسلام التكفیري» و«الإسلام العلماني»، وسوف یواصل التلویح بذلك كي لا یستقوی الإسلام الأصولي المعتدل والعقلاني بین ثورات المنطقة. استعیدوا تعریف الكلمات مرة أخرى وبدقّة.

إذا كانت «الدیمقراطیة» بمعنى الشعبیة والانتخابات الحرة في إطار أصول الثورات فلتكونوا جمیعاً دیمقراطیین. وإذا كانت بمعنى السقوط في شراك اللیبرالیة الدیمقراطیة التقلیدیة ومن الدرجة الثانیة فلا یكن أحد دیمقراطیاً.

و«السلفیة» إذا كانت تعني العودة إلى أصول القرآن والسنة والتمسك بالقیم الأصیلة ومكافحة الخرافات والانحرافات وإحیاء الشریعة ورفض التغرّب فلتكونوا جمیعًا سلفیین، وإذا كانت بمعنى التعصّب والتحجّر والعنف في العلاقة بین الأدیان أو المذاهب الإسلامیة فإنها لا تنسجم مع روح التجدید والسماحة والعقلانیة التي هي من أركان الفكر والحضارة الإسلامیة، بل ستكون داعیة لرواج العلمانیة والتخلّي عن الدین.

اسلام يبيح قتل المسلمين ويختلق المعاذر لاسرائيل !!

يرى السيد الخامنئي في معرفة حقيقة الجهات التي ترفع لواء الاسلام ، ضرورة ملحة لتمييز غث هذه الجهات من سمينها ، وبالتالي الحفاظ على صورة الاسلام الاصيل نقية صافية، فنراه يخاطب الشعوب العربية قائلا:

"كونوا متشائمین من الإسلام الذي تطلبه واشنطن ولندن وباریس، سواء من النوع العَلماني المتغرّب، أو من نوعه المتحجّر والعنیف. لا تثقوا بإسلام یتحمّل الكیان الصهیوني لكنه یواجه المذاهب الإسلامیة الأخرى دون رحمة، ویمدّ ید الصلح تجاه أمریكا والناتو لكنه یعمد في الداخل إلى إشعال الحروب القبلیة والمذهبیة. وراء هذا الإسلام من هم أشداء على المؤمنین رحماء بالكافرین.

كونوا متشائمین من الإسلام الأمریكي والبریطاني إذ إنه یدفعكم إلى شَرَك الرأسمالیة الغربیة والروح الاستهلاكیة والانحطاط الأخلاقي".

هذه المرحلة هي "ليلة القدر" بالنسبة للشعوب ا